سميح عاطف الزين

325

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أجل لقد أصغى أنيس إلى قول لم يسمع بمثله قطّ في حياته . فالآيات التي تتلى تفوق كل فصاحة وبلاغة ، وليس في لغة العرب ولسانهم الفصيح ما يدانيها بالحلاوة والطلاوة . أما البيان لتلك الآيات فهو أيضا من جوامع الكلم الذي لا يبلغه ناطق بالضاد غير هذا الرجل . . أما واللّه إنّ ما سمع من تلاوة أو قول لا بد أن يكون صادرا عن نبيّ حقا ! . . ومضى الوقت سريعا ، والعيون تحدّق بالنبي تريد المزيد ، ولكنه أشار إليهم بما يكفيهم الساعة ، وقاموا جميعا يطوفون ، ثم يذهبون في جوف مكة وأنظار أنيس تلاحقهم حتى غابوا عنه . وكان ذلك أجمل وقت مرّ على أنيس في حياته لما فيه من الأنس والاطمئنان . . . ولقد عرف ما عرف ، وعلم ما علم ، فهل بعد من حاجة إليه لأن يسأل أحدا من الناس ؟ . لقد سمع ووعى ، ومن النبي محمد نفسه ، وبان له أمره واضحا كوضوح الشمس في دعوته إلى عبادة اللّه الواحد الأحد ، وهدي الناس إلى دينه الإسلام . . فهل من شيء يريد أن يستوثق منه أكثر من هذا لينقله إلى أخيه ؟ ! وليس بعد هذا من حاجة إلى مزيد من معلومات يريد معرفتها ، وما عليه إلّا أن يعود إلى دياره ليوقف أخاه على جلية الأمر . عاد الرجل لينقل إلى أخيه من أخبار النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كل ما سمع بأذنيه ، ووعى بقلبه ، بصدق وأمانة . . ولم يكن أبو ذر ليمهله حتى يستريح من تعب السفر ، بل ألحّ عليه لكي يبدأه فورا ، وهو يقول له :